التعليم مسؤولية مجتمعية في ظل المتغيرات والأزمات 

يرتبط مفهوم المسؤولية المجتمعية بالدول الغربية التي رأت ضرورة وجود تبادلية وشراكة بين مؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المختلفة لتأمين التنمية المجتمعية المستدامة. ولم تتبنى هذا المفهوم الحديث إلا عدد قليل جداً من الدول العربية رغم المتغيرات والأزمات الكبرى التي تمر بها هذه الدول. فالمسؤولية نحو الأفراد والجماعات لا زالت تعتبر مسؤولية حصرية للدولة في العديد من البلدان العربية. وتعتبر دولة قطر من الدول العربية القلائل ذات المساهمات الرائدة في مجال المسؤولية المجتمعية. وقد قامت مؤسسة الفيصل بلا حدود ومركز الفيصل للمسؤولية المجتمعية بدور طلائعي من خلال المساهمة في التنمية المستدامة لدولة قطر والاستجابة للاحتياجات المتنامية للمجتمع المدني بإيمان راسخ بأن المسؤولية المجتمعية هي من أبرز ركائز الحياة المجتمعية ومن أهم وسائل تقدم المجتمعات الحديثة.

وقد ترجمت مؤسسة الفيصل بلا حدود ومركز الفيصل للمسؤولية المجتمعية هذا الالتزام من خلال أنشطة متنوعة ومتخصصة تسعى إلى توعية أفراد المجتمع بأهمية المساهمة في التنمية المجتمعية المستدامة وكذلك من خلال إقامة مؤتمر سنوي يطرح قضايا هامة ترتبط بجوانب مختلفة تعمل على ترسيخ وتوطيد مفهوم المسؤولية المجتمعية لدى أفراد المجتمع في قطر والوطن العربي. وقد اختارت اللجنة المنظمة للمؤتمر الدولي العلمي الثالث للمسؤولية المجتمعية موضوع "التعليم مسؤولية مجتمعية في ظل المتغيرات والأزمات" إيماناً بأن جميع أفراد المجتمع ومؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المختلفة فاعلاً أساسياً في تحقيق التنمية والتقدم في الجانب التعليمي من خلال مساهمات يتم مناقشتها من خلال محاور المؤتمر الحالي بتفاصيل تثري الجانب النظري والعملي للدور المترابط والمتجانس والفاعل لكافة فئات المجتمع ومؤسساته الحكومية والخاصة وشركاته.

ومن أهم ثمار التعليم هو ضمان الاستقرار المجتمعي واستمرارية المجتمع ومؤسساته وإحداث التطور والتغيير وكذلك لتمنح المجتمع القدرة على التكيف مع التغيرات الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية أو كمساهمة محورية للارتقاء بالمجتمع. والتعليم كعملية تدمج العديد من الفاعلين الاجتماعيين هو أداة للمحافظة على مجتمع المعرفة ومواصلة تطويره والمساهمة في إحداث التغييرات المجتمعية الهامة في زمن الاستقرار أو في زمن التغيرات، في زمن الوفرة أو في زمن النقص والأزمات. فالمؤسسات التعليمية والمجتمعية تضطلع بدور مشترك من خلال الاعتماد على النخبة والعقول النيرة من أساتذة وعلماء وباحثين وطلبة العلم لرفع التحديات والاستجابة لمتطلبات التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في زمن المتغيرات والأزمات والمخاطر لضمان الاستدامة للأفراد والمجتمع من خلال انتاج المعرفة والوسائل والحلول لدعم كفاءات المستقبل.

وللمؤسسة التعليمية الرسمية ومناهجها دور كبير في غرس بذور المسؤولية المجتمعية لدى أجيال المستقبل وخلق الظروف الموضوعية الكفيلة لمواصلة دفع عجلة التقدم العلمي والتكنولوجي والمجتمعي. وقد أثبتت التجربة أن لمؤسسة التعليم دور كبير في تفعيل التهيئة الشاملة من خلال رفع كفاءة الأفراد والارتقاء بمؤهلاتهم العلمية والتقنية وقدرتهم على رفع التحديات وإيجاد الحلول الخلاقة خاصة في زمن التحولات والأزمات والمخاطر. والمناهج المبتكرة والمرنة هي من أهم أسس التعليم الحديث لأن وتيرة التغير المجتمعي المتسارعة لا تسمح للمناهج التقليدية بإعداد أفراد قادرين على فك التبعية وتحقيق الاستدامة نظراً لعدم قدرتها على التكيف السريع لمتطلبات المجتمع المتغيرة. فنموذج التحدي والاستجابة في التعليم هو ما يسمح بإعداد أفراد قادرين على التكيف والاستجابة ورفع التحديات خاصة وأن البقاء والاستدامة في زمننا الحاضر يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بجودة التعليم ومرونته وقدرته على التأقلم وخلق الكفاءات والمهارات التي يحتاجها المجتمع الآن. وبذلك يكتسي دعم التعليم ومؤسساته أهمية قصوى في تقدم المجتمعات وبينت تجارب الدول الراقية أن دعم التعليم يجب أن يشمل كل مكونات المجتمع من مؤسسات خاصة وعامة وأفراد ومجموعات.

ويسعى هذا المؤتمر بالأساس إلى تنمية ونشر ثقافة المسؤولية المجتمعية في مجال التعليم في البلدان العربية من خلال المشاركات البحثية المختلفة والاستفادة من التجارب العملية والممارسات والنماذج المبتكرة للمسؤولية المجتمعية المعنية بدعم التعليم في ظل التحولات والأزمات التي تشهدها المنطقة العربية. كما يسعى المؤتمر إلى تقييم واقع المسؤولية المجتمعية في دعمها لمؤسسات التعليم العربية والتعرف على التشريعات والقوانين الداعمة للمسؤولية المجتمعية نحو التعليم ومؤسساته في الدول العربية. ويرمي المؤتمر كذلك إلى الاستفادة من مقترحات وخطط استشرافية لتفعيل وترسيخ المسؤولية المجتمعية في مجال التعليم في الدول العربية كما هو الحال بالعديد من البلدان الغربية.

كما يهدف المؤتمر من جهة أخرى إلى تعميق دور مؤسسات التعليم في خدمة المسؤولية المجتمعية ورفع الوعي بأهمية دور مؤسسات التعليم في تطوير وترسيخ المفاهيم المتصلة بالمسؤولية المجتمعية لدى الأفراد والمجموعات.

من ناحية أخرى فإن دور المجتمع وأفراده ومؤسساته وشركاته في دعم المسيرة التعليمية وتطورها سنداً للمؤسسات التعليمية الرسمية، يعد ركيزة أساسية لا غنى عنها للوصول بالتعليم إلى أرقى رتبه. وهو ما تعتمد عليه الدول المتقدمة ضمن منظومتها الاجتماعية على التضامن الفاعل بين أفراد المجتمع ومكوناته لتكون حافزاً لتقديم الأفضل والحث على إثراء التعليم ووسائله وتطوير نماذجه القادرة على التأقلم والتطور في مختلف الظروف التي تحيط بالمجتمعات والدول إيجابية كانت أم سلبية. هذا التجانس بين أفراد المجتمع ومكوناته وبين ماتقدمه المؤسسات التعليمية الرسمية هو الدافع والحافز الذي ينقل العملية التعليمية من تقليديتها إلى ديناميكية التعليم الإيجابي خدمة مجتمعية ببعد مستقبلي.